في الوقت الذي يتوجه فيه الجميع إلى النوم، يستيقظ البعض – خصوصاً من المراهقين – على إحساس قوي بالجوع يدفعهم إلى المطبخ في صمت، يتناولون الطعام في منتصف الليل، ثم يعودون إلى النوم وكأن شيئاً لم يكن.
هذه الحالة ليست مجرد عادة سيئة، بل تُعرف في الطب النفسي والغذائي باسم “متلازمة الأكل الليلي” (Night Eating Syndrome)، وهي اضطراب حقيقي يرتبط بالعوامل النفسية والعاطفية أكثر مما يرتبط بالجوع الجسدي.
تُعد متلازمة الأكل الليلي اضطراباً في سلوك الأكل والنوم، يتميز بتناول كميات كبيرة من الطعام خلال الليل أو بعد منتصفه، مع فقدان الشهية في الصباح. وغالباً ما يشعر المصابون بها بالذنب أو القلق بعد الأكل الليلي، لكنهم يجدون صعوبة في مقاومته.
تشير الدراسات إلى أن هذه المتلازمة تظهر بكثرة بين المراهقين والشباب، خاصة الذين يعيشون ضغوطاً نفسية كالقلق الدراسي أو انخفاض الثقة بالنفس أو التوتر العائلي. فالمراهق الذي يجد صعوبة في التعبير عن مشاعره، قد يلجأ إلى الطعام كوسيلة للراحة أو التعويض العاطفي، ويصبح الليل وقتاً آمناً بعيداً عن أعين الآخرين.
ويؤكد الأطباء أن من أبرز علامات المتلازمة: فقدان الشهية صباحاً، والأكل الليلي المتكرر، وصعوبة النوم دون تناول الطعام، والشعور بالحزن أو القلق أو الذنب بعد الأكل. كما ترتبط الحالة باضطراب إفراز بعض الهرمونات مثل الميلاتونين (منظم النوم) واللبتين (منظم الجوع والشبع)، مما يزيد من الميل للأكل ليلاً.
ومع مرور الوقت، قد تؤدي متلازمة الأكل الليلي إلى زيادة الوزن، واضطرابات في النوم، ومشكلات هضمية، لكن الأخطر هو أثرها النفسي، إذ يشعر المراهق بالخجل من نفسه ويعيش صراعاً بين الرغبة في التغيير والعجز عن السيطرة، مما يضعف ثقته بنفسه ويزيد شعوره بالوحدة.
يؤكد المختصون أن العلاج لا يكون بالمنع أو العقاب، بل بالفهم والتدرج والدعم النفسي. ومن أهم خطوات تجاوز هذه المشكلة:
• تنظيم مواعيد الأكل والنوم.
• تناول وجبات خفيفة وصحية قبل النوم لتجنب الجوع الشديد.
• تقليل الضغوط النفسية عبر الحوار والدعم الأسري.
• استشارة أخصائي نفسي أو تغذية إذا استمرت الحالة.
• ممارسة نشاط بدني يومي لتحسين المزاج وتنظيم الهرمونات.
إن متلازمة الأكل الليلي ليست ضعفاً في الإرادة، بل إشارة من الجسد والعقل إلى وجود حاجة غير مشبعة، قد تكون حباً أو أماناً أو راحة.
إنها رسالة صامتة من المراهق تقول: “أنا جائع، لكن ليس للطعام فقط.”
وحين يُفهم هذا النداء بوعيٍ واحتواء، يمكن تحويل الجوع الليلي إلى فرصة للتقارب والفهم، بدلاً من أن يبقى سلوكاً مؤلماً في الظلام.
د. عيسى فلاح العازمي
Dr_Essafala7 @
