كانت مجتمعاتنا قبل عقود تزدهر بحاضنات تربوية أصيلة، تمتد من المسجد إلى الجمعيات الخيرية مرورًا بالمدارس والأحياء. تلك الحاضنات لم تكن تملك ميزانيات ضخمة ولا وسائل ترفيه حديثة، لكنها كانت تملك شيئًا أعظم: الإخلاص والنية الصادقة لتربية جيلٍ صالح نافع لدينه ووطنه ومجتمعه.
فالمساجد كانت بمثابة مدارس تربوية مفتوحة، يجتمع فيها أبناء الحي على يد إمامٍ يحمل همّ التربية قبل التعليم، يُعلّمهم القرآن والحديث وآداب السلوك، ويربي فيهم حب الطاعة والخلق الكريم، وكل ذلك كان تطوعًا خالصًا لا يُنتظر منه جزاء ولا شكورًا. كان الإمام قدوة في سلوكه وكلامه، وكان الأبوان يشعران بالطمأنينة حين يكون أبناؤهم بين يديه، لأنه يزرع فيهم الإيمان والخلق قبل أن يُعلّمهم الحروف.
أما الجمعيات واللجان الخيرية فكانت محاضن تربوية حقيقية، تُقيم الدورات والرحلات والدروس التثقيفية، وتغرس في الشباب روح التعاون والانتماء. كان المتطوعون فيها يعملون بحماس صادق، يؤمنون أن بناء الإنسان أهم من جمع الأموال أو كسب الشهرة.
لكن الصورة تغيّرت اليوم. فقد تراجعت تلك الحاضنات التربوية أو غابت تمامًا، وحلّ مكانها أنشطة يغلب عليها الطابع المادي والتجاري، مثل مراكز الكاراتيه وكرة القدم والأنشطة الترفيهية الأخرى. لا مشكلة في هذه الأنشطة بحد ذاتها، فهي تنمّي الجسد والانضباط، لكنها غالبًا تفتقر للبعد التربوي القيمي الذي يحتاجه الطفل والمراهق في هذه المرحلة الحساسة. أصبح الهدف هو الاشتراك الشهري والبطولات، لا التربية ولا التهذيب.
طغت المادة على روح التطوع، وضعُف ارتباط الأجيال الجديدة بالمسجد والمربي الحقيقي. أصبح كثير من الأبناء يتلقون قيمهم وسلوكياتهم من الشاشات ومن المؤثرين، لا من المربين الذين يُجسّدون القدوة الحسنة. وغابت بذلك المنظومة التربوية المتكاملة التي كانت تصنع الإنسان المتوازن المتزن.
إن تراجع الحاضنات التربوية يعني تراجع دور “التربية المجتمعية”، أي تلك التي يتكامل فيها دور البيت والمسجد والمدرسة والجمعية. هذه المنظومة كانت تُخرّج إنسانًا يعرف ربه، يحب وطنه، ويحسن التعامل مع الناس. أما اليوم، فقد صار الطفل يعيش في فراغ تربوي تُملؤه قيم غريبة تُبث عبر وسائل التواصل بلا توجيه ولا تصحيح.
لقد آن الأوان لإحياء تلك الحاضنات بروحٍ عصريةٍ تراعي احتياجات الجيل الجديد، دون أن تفقد جوهرها القيمي والديني. نريد أن نرى في كل حي مسجدًا نابضًا بالحياة يحتضن أبناءه، وجمعية تُقدّم برامج توعوية وتربوية لا تقل أهمية عن الرياضة والترفيه.
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والجمعيات الخيرية، والمؤسسات التربوية، لإعادة إحياء هذا الدور المبارك. نحتاج إلى مبادرات واقعية تُعيد للمسجد مكانته التربوية، وتُنشئ برامج نوعية موجهة للنشء تجمع بين الترفيه الهادف والتربية الأصيلة. كما نحتاج إلى دعم المربين والمتطوعين وتشجيعهم، لأنهم عماد أي نهضة تربوية حقيقية.
فإن أردنا جيلًا صالحًا متوازنًا، فلن نُخرّجه من خلف الشاشات، بل من الحاضنات التي تُحيي القيم وتزرع الإيمان وتُهذّب السلوك.
وما لم نُدرك هذه الحقيقة اليوم، فسندفع ثمن غيابها غدًا في سلوك أبنائنا وتوجهاتهم.
د. عيسى فلاح العازمي
Dr_Essafala7 @
