لم يعد شغب الملاعب في الكويت مجرد حادثة عابرة في المدرجات، بل تحول إلى أزمة حقيقية تهدد سمعة الرياضة الكويتية ومكانتها، وما شهدته مباراة الكويت والقادسية من أحداث مؤسفة لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة طبيعية لتقصير اتحاد كرة القدم في أداء مهامه الأساسية، وعلى رأسها تنظيم البطولات، وتوعية الجماهير بثقافة التشجيع الحضاري، وإطلاق الحملات التوعوية، وتطبيق العقوبات الرادعة بعدالة وشفافية.
حيث كان من المفترض أن يكون اتحاد الكرة صمام الأمان للمسابقات المحلية، عبر دراسة الإيجابيات والسلبيات بعد كل مباراة، ووضع الحلول لتفادي المشكلات قبل أن تتفاقم، إلا أن الاكتفاء بعقوبات متفرقة وغير مؤثرة ضد الأندية أو اللاعبين أو الإداريين جعل الاتحاد جزءاً من المشكلة، لا أداة للحل، وفتح الباب لتكرار الفوضى.
إن ما يزيد المشهد ارتباكاً هو تدخل معالي وزير الإعلام والشباب عبدالرحمن المطيري بتشكيل لجنة تحقيق، ورغم أن هذا التدخل يعكس حرصه وحسن نواياه، فإنه يتعارض مع القوانين الدولية التي تؤكد استقلالية الاتحادات الوطنية، ما قد يعرض الكويت لخطر الإيقاف من قبل «الفيفا» كما حدث في مرات سابقة، وهنا تكمن المفارقة: غياب حسم اتحاد الكرة يفتح الباب لتدخل أجهزة الدولة، وهو ما يضع الرياضة الكويتية أمام احتمالية مواجهة عقوبات دولية جديدة.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الحل لا يكمن في ترك الأمور بيد اتحاد الكرة وحده، ولا في التدخل المباشر للحكومة، بل في تشريعات وطنية متوازنة. إنكلترا لم تتخلص من «الهوليغانز» إلا حين تحمل اتحادها مسؤوليته بدعم من الدولة عبر قوانين صارمة وأنظمة مراقبة حديثة. والمغرب أقر قانوناً خاصاً بالعنف الرياضي، منح الدولة دوراً رقابياً لكنه أبقى على استقلالية الاتحاد، فنجح في تقليص الظاهرة.
أما في الكويت، فما زلنا ندور في حلقة مفرغة: اتحاد متقاعس عن مهامه، أجهزة حكومية تتدخل بأسلوب غير محسوب، جماهير بلا توعية أو تنظيم، وملاعب تفتقد البنية التحتية الأمنية والفنية. والنتيجة صورة مشوهة للرياضة الكويتية، وخطر الإيقاف الخارجي يلوح من جديد.
ونحن اليوم نوجه رسائل مهمة عدة لعلها تكون بداية حقيقية لتصحيح الأخطاء المتراكمة فالرسالة الأولى معالي وزير الشباب والرياضة عبدالرحمن المطيري: إن الأزمة باتت تتطلب متابعتكم المباشرة، ليس عبر قرارات فردية قد تفسر دولياً كتدخل حكومي، بل من خلال دفع عجلة تشريع قانون وطني شامل يحفظ استقلالية القرار الرياضي أمام «الفيفا»، ويمنح الدولة صلاحية رقابية وتنظيمية تحمي المصلحة العامة وتمنع الفوضى.
والرسالة الثانية إلى اتحاد كرة القدم: أنتم المسؤول الأول عن استقرار الملاعب، وعليكم تحمل المسؤولية الكاملة عبر لوائح واضحة وصارمة ضد الشغب، كما لابد من فتح باب الاستعانة بشركات الأمن الخاصة بشغب الملاعب عبر الممارسات أو المناقصات، مثل بقية اتحادات دول العالم وفي الخليج والدول العربية، وذلك بما لديهم من امكانات وخبرات في التعامل مع الجماهير الرياضية، وهو أمر مهم لفرض السيطرة داخل الملاعب، فلا يمكن ان تتعامل وزارة الداخلية ويتحمل رجالها وحدهم العبء داخل المدرجات وأرضية الملعب، وضرورة أن تُطبق العدالة على الجميع، مع إلزام الأندية تثقيف وتنظيم جماهيرها.
أما الرسالة الأخيرة إلى وزارة الداخلية ورجالها الأبطال: الشكر موصول لكم لتحملكم مسؤولية حفظ الأمن في الملاعب، ولجهودكم في السيطرة على الفوضى الناتجة عن أخطاء الآخرين وتقاعسهم، دوركم لا يُقدر بثمن، لكن لا يجوز أن تظلوا وحدكم في مواجهة نتائج خلل إداري متراكم، ويجب تشكيل لجنة مع اتحاد الكرة والأندية لتحمل الأجهزة الأخرى مسؤوليتها، والتأكيد على دور كل جهة في حفظ الامن والنظم داخل الملاعب، عبر الاستعانة بإحدى الشركات المتخصصة في شغب الملاعب كما ذكرنا سلفاً.
الخلاصة: إن أزمة شغب الملاعب ليست قضية جماهير غاضبة فقط، بل انعكاس مباشر لضعف اتحاد الكرة وتضارب الصلاحيات بينه وبين الدولة. واليوم، الكرة في ملعب المشرِّع الكويتي: إما قانون رياضي وطني يحمي رياضتنا وسمعة وطننا، وإما استمرار الدوران في الحلقة المفرغة بما يهدد حاضر الرياضة ومستقبلها.
أ. د عبدالله الغصاب يكتب | شغب الملاعب.. أزمة تتطلب الحسم لا المجاملة
47
