من يتابع خطابات اللجنة الأولمبية الدولية يظن أنه أمام مؤسسة إنسانية دولية، تدافع عن العدالة والمساواة والحياد، وليست منظمة دولية رياضية فحسب بل إنها تضع الرياضة في مكانتها النبيلة كأداة للتقارب والسلام، فما اتخذته اللجنة من قرارات حاسمة وسريعة ضد العديد من الدول بسبب بعض المخالفات الإدارية والقوانين ومعاقبتها لبعض الرياضيين، حيث جُردت روسيا من أكثر من خمسين ميدالية أولمبية بسبب فضائح المنشطات وايقافها من المشاركات الدولية بسبب حرب أوكرانيا، وحُرمت الكويت من رفع علمها سنوات طويلة بسبب نزاع إداري داخلي، وأُقصيت جنوب أفريقيا عقوداً بسبب الفصل العنصري، وكل ذلك باسم حماية القيم الأولمبية، إلا أن كل هذه الشعارات البراقة والميثاق الأولمبي الذي طالما تغنت به اللجنة الأولمبية الدولية، يتكشف واقعاً مغايراً حين نضع العدسة على فلسطين قلب الامة، في وقت تتزين فيه بيانات اللجنة بكلمات عن العدالة والمساواة والسلام، نجد أن تلك المبادئ ما هي إلا حبر على ورق، تتبدد أمام دماء آلاف بل مئات الآلاف من الفلسطينيين عبر السنين بينهم مئات الرياضيين الذين نزفت دماؤهم على الملاعب الرياضية، التي حولها الكيان الصهيوني إلى ركام.
وهذا الأمر الذي أصبح جالياً، فمن المفارقات العجيبة المؤلمة أن اللجنة الأولمبية التي تعاقب الدول بصرامة على قضايا المنشطات أو الخلافات الإدارية، تصمت صمتاً مطبقاً أمام مأساة أمة بأكملها، ومطالبات دولية باتخاذ قرارات حازمة ضد الاحتلال الإسرائيلية، وضد آلية القتل والدمار الشامل للكيان الصيهوني التي لا ترحم كبير أو صغير طفل أو امرأة، فلقد سقط أكثر من 400 رياضي فلسطيني شهيداً – بل تشير تقارير إلى أن العدد تجاوز 500 رياضي – وعندما دُمرت أكثر من 270 منشأة رياضية، من ملاعب وصالات ومراكز تدريب، لم نسمع من اللجنة سوى صمت يثير الريبة، صمت يرقى إلى مستوى التواطؤ.
لقد أثبتت اللجنة في مواقف عدة أنها قادرة على اتخاذ قرارات صارمة لا هوادة فيها، مع العديد من الدول، كالتي ذكرنا، وقُدمت نفسها على أنها تطبيق نزيه للميثاق الأولمبي الذي يعد بالمساواة، والعدالة، وحماية حقوق الرياضيين، إلا أن تلك الحيادية والإجراءات توقفت تماماً أمام قتل آلاف الفلسطينيين منهم مئات الرياضيين، وبينهم أطفال كانت أحلامهم لا تتجاوز ارتداء قميص منتخب بلادهم؟ أي مساواة يمكن أن نتحدث عنها إذا كان الخصم هو الكيان الصهيوني، الذي تعدى بالأمس القريب على دولة مستقلة ذات سيادة دولة قطر الشقيقة والحبيبة، من دون رادع لها، حيث تتحول المبادئ إلى خطوط حمراء لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها؟
إن صمت اللجنة لا يفرغها من حيادها فحسب، بل ينزع عنها كل شرعية أخلاقية، ويجعلها شريكاً صامتاً في جريمة تُمحى فيها الأحلام وتُقتل المواهب، ولقد تعلمنا منذ الصغر، ونعلم طلبتنا في الكلية أن الرياضة ليست مجرد منافسة أو ميدالية فحسب، بل هي رمز للإنسانية والأمل والانتماء، ولكن حين تُداس هذه القيم أمام مرأى العالم، يصبح من العبث الاستمرار في الترويج لميثاق أولمبي لا يطبَّق إلا على الضعفاء، كما أن البيانات الإنشائية والصحافية أصبحت شعارات جوفاء لم تعد تقنع أحداً، أمام آلة القتل الإسرائيلية والدمار الشامل في الأراضي الفلسطينية دون ردع.
إن ما نطالب به من اللجنة الأولمبية موقف عادل، تحقيق دولي شفاف، عقوبات رياضية واضحة صارمة، وإنصاف حقيقي لشعب يُباد تحت الركام، بينما العالم الرياضي يتفرج، ولعل الأكثر حزناً وإيلاماً من صمت اللجنة هو صمت بعض قادة الرياضة في العالم الإسلامي، الذين اكتفوا بالمشاهدة وكأن الأمر لا يعنيهم، بينما رأينا أصواتاً من دول غير مسلمة تعترض وتناشد وتتحرك باسم الإنسانية، فيما بقي كثيرون في منطقتنا أسرى اللامبالاة؟
أيها السادة أصحاب النفوذ باللجنة الأولبية الدولية، أيها المسؤولون ذو المناصب الرفيعة في اللجان الأولمبية الدولية والإقليمية والعربية ألا تهز ضمائركم صور الأطفال الذين دُفنت أحلامهم تحت الانقاض؟! ألا تستفز إنسانيتكم الملاعب المدمرة التي كانت تضج يوماً بضحكات الصغار وآمال الشباب؟!
إن التاريخ لن يغفر للمتواطئين ولن يرحم الصامتين، فما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة رياضية، بل جرح مفتوح في الضمير الإنساني، وأمام هذا الصمت المخزي، لا يسعنا إلا أن نرفع الصوت عالياً: إن كنتم عاجزين عن حماية الرياضيين المظلومين، فلتعلنوا صراحة أن الميثاق الأولمبي ليس سوى وثيقة للتجميل الإعلامي، تُستخدم حسب الأهواء السياسية، لا أكثر ولا أقل.
اللهم إني بلغت، اللهم فاشهد.
أ.د عبدالله الغصاب يكتب | اللجنة الأولمبية الدولية.. قيم على الورق ودماء على الأرض
54
