تُعدّ أنقرة، عاصمة الجمهورية التركية، واحدة من أبرز الوجهات السياحية في تركيا رغم أنها أقل شهرة سياحيًا من إسطنبول. لكنها مدينة غنية بالتاريخ والثقافة، وتجمع بين التراث العريق والحداثة المعمارية، مما يجعلها محطة مميزة للراغبين في استكشاف روح تركيا الحقيقية بعيدًا عن الزحام السياحي. السياحة في أنقرة لا تقتصر على زيارة المباني الحكومية والسفارات، بل تشمل معالم تاريخية بارزة، ومتاحف فريدة، ومتنزهات طبيعية خلابة، وأسواق تقليدية نابضة بالحياة.
أولاً: المعالم التاريخية في أنقرة
تحمل أنقرة تاريخًا يمتد لآلاف السنين، وقد تركت الحضارات المختلفة بصماتها على معالمها. من أبرز هذه المعالم:
قلعة أنقرة (Ankara Kalesi)
تعتبر القلعة رمزًا بارزًا للمدينة، وتقع على تلة مرتفعة تمنح الزائر إطلالة بانورامية على أنقرة. شُيّدت في العصور الرومانية وتم ترميمها وتوسعتها في العصور البيزنطية والسلجوقية والعثمانية. داخل القلعة تنتشر الأزقة الضيقة والمنازل القديمة التي تحتفظ بالطابع الأناضولي الأصيل، إضافة إلى متاجر الحرف اليدوية والمطاعم التقليدية.
المسرح الروماني والحمامات الرومانية
يعود تاريخ المسرح الروماني إلى القرن الثاني الميلادي، ورغم بقاء أطلاله فقط فإنه يوضح عظمة العمارة الرومانية في تلك الحقبة. أما الحمامات الرومانية فهي معلم أثري بارز شُيّد تكريمًا للإله أسكليبيوس، إله الطب عند الرومان، ولا تزال بقاياه شاهدة على تطور الحياة الاجتماعية والصحية في تلك العصور.
جامع حاجي بيرم (Hacı Bayram Camii)
يُعدّ من أقدم وأشهر مساجد أنقرة، ويقع بجوار معبد روماني قديم. يعود بناء المسجد إلى القرن الخامس عشر، وهو مقصد ديني وسياحي مهم لما يتميز به من روحانية وعمارة عثمانية بسيطة وأنيقة.
ثانياً: المتاحف والمراكز الثقافية
أنقرة مدينة غنية بالمتاحف التي تجعلها وجهة مفضلة لعشاق التاريخ والثقافة.
متحف الحضارات الأناضولية (Anadolu Medeniyetleri Müzesi)
يُعتبر من أهم المتاحف في تركيا والعالم، حيث يضم مقتنيات أثرية نادرة من العصور الحيثية، والفريجية، والليدية، والرومانية، والبيزنطية. يقع المتحف داخل مبنى عثماني قديم بالقرب من قلعة أنقرة، ويمنح الزائر رحلة عبر آلاف السنين من تاريخ الأناضول.
متحف أنيتكبير (ضريح أتاتورك)
أنيتكبير ليس مجرد ضريح، بل هو مجمع ضخم يضم قاعة للعرض تعرض مقتنيات مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة، من ملابسه الشخصية إلى الوثائق التاريخية. الضريح نفسه تحفة معمارية تُظهر القوة والبساطة في آن واحد.
المتحف الإثنوغرافي (Ethnography Museum)
يعرض هذا المتحف نمط حياة الشعب التركي عبر العصور، من الأزياء التقليدية إلى الأدوات المنزلية والموسيقية. كما أنه المكان الذي دُفن فيه أتاتورك مؤقتًا قبل نقل رفاته إلى أنيتكبير.
ثالثاً: المعالم الطبيعية والمتنزهات
رغم أن أنقرة مدينة عصرية تقع في قلب الأناضول، إلا أنها تحتضن العديد من الحدائق والمتنزهات الطبيعية.
حديقة جنجليك (Gençlik Parkı)
تقع في قلب المدينة وتُعدّ من أشهر أماكن التنزه، حيث تضم بحيرة صناعية، وألعابًا ترفيهية، وممرات للمشي. وهي وجهة مثالية للعائلات والزوار الباحثين عن الاسترخاء.
منتزه ألتين بارك (Altınpark)
من أكبر المتنزهات في أنقرة، ويمتد على مساحة واسعة تحتوي على بحيرات ومسطحات خضراء وحدائق أزهار. كما يضم قاعة للمعارض ومركزًا ثقافيًا، مما يجعله وجهة ترفيهية وثقافية في آن واحد.
حديقة كوجالي (Kugulu Park)
تشتهر هذه الحديقة ببحيراتها الصغيرة التي تسبح فيها البط والإوز، مما يجعلها مكانًا محببًا للعائلات وللتصوير.
رابعاً: الأسواق التقليدية ومراكز التسوق
التسوق في أنقرة جزء مهم من التجربة السياحية، حيث يجد الزائر تنوعًا بين الأسواق الشعبية والمولات الحديثة.
بازار ألتنداغ (Altındağ Bazaar)
من أقدم الأسواق الشعبية في المدينة، يضم متاجر تبيع السجاد اليدوي، والأقمشة التقليدية، والتحف الشرقية. وهو مكان مثالي لاكتشاف التراث التركي الأصيل.
شارع تونالي حلمي (Tunalı Hilmi Caddesi)
من أشهر شوارع التسوق العصرية في أنقرة، حيث تنتشر المحلات العالمية، والمقاهي، والمطاعم الراقية.
مول أنكامال (Ankamall)
أكبر مركز تسوق في أنقرة، يضم مئات المتاجر المحلية والعالمية، إضافة إلى مطاعم ودور سينما، وهو وجهة رئيسية لعشاق التسوق العصري.
خامساً: السياحة الثقافية والفنية
أنقرة مدينة حيوية على الصعيد الثقافي، وتحتضن فعاليات ومهرجانات فنية على مدار العام.
دار الأوبرا والباليه: تقدم عروضًا عالمية ومحلية في مجالات الموسيقى الكلاسيكية والمسرح.
المسارح الوطنية: تعرض مسرحيات تركية تقليدية وأخرى معاصرة.
المهرجانات: مثل مهرجان أنقرة الدولي للأفلام ومهرجان الموسيقى الكلاسيكية.
سادساً: المطبخ الأنقراني
لا تكتمل الرحلة إلى أنقرة دون تذوق مأكولاتها التقليدية. من أبرز الأطباق:
الدونر كباب: وجبة تركية شهيرة تقدم باللحم أو الدجاج.
تشي بوريك (Çiğ Börek): فطائر محشوة باللحم المفروم.
البقلاوة: حلوى تقليدية محبوبة لدى الزوار.
كما تنتشر المطاعم الشعبية التي تقدم الأكلات الأناضولية بجانب المطاعم العالمية الحديثة.
سابعاً: أنقرة بين الماضي والحاضر
تتميز أنقرة بكونها مدينة تجمع بين الأصالة والحداثة. فهي من جهة تضم معالم تعكس حضارات قديمة مثل القلعة والمسرح الروماني، ومن جهة أخرى هي مدينة عصرية تحتضن مؤسسات الدولة، والمراكز التجارية، والجامعات. هذا التوازن بين الماضي والحاضر يجعلها مدينة متكاملة تقدم للسائح تجربة غنية ومتنوعة.
خاتمة
السياحة في أنقرة تجربة فريدة لا تقل أهمية عن زيارة إسطنبول أو المدن الساحلية التركية. فهي مدينة التاريخ والسياسة والثقافة، وتضم معالم أثرية تعود إلى آلاف السنين، بجانب متاحف عالمية، وحدائق خلابة، وأسواق نابضة بالحياة. إنها المكان الذي يتيح للزائر التعرف على جوهر تركيا الحقيقي، بعيدًا عن الطابع التجاري للسياحة. أنقرة ليست مجرد عاصمة سياسية، بل هي قلب نابض يجمع بين التراث العريق والحداثة المتطورة، لتظل وجهة سياحية تستحق الزيارة والاستكشاف.







