كثير من الآباء والمربين يشكون من أن الأطفال لا يستجيبون للنصائح بسهولة، بل يرفضونها أحياناً. ويرى خبراء التربية أن السبب غالباً يعود إلى أن النصيحة تأتي في صورة أوامر أو توبيخ، أو لأن الكبار لا يطبقون ما يطلبونه من الصغار، فيفقد الكلام قيمته.
طبيعة الطفل تميل إلى التعلم بالتجربة أكثر من الاستماع، إضافة إلى رغبته في الاستقلالية وإثبات الذات. وهذا لا يعني أنه يرفض القيم أو التوجيه، بل يبحث عن أسلوب مختلف يجعله يتقبل النصيحة.
الحل ليس في الإكثار من الأوامر، بل في تقديم القدوة العملية، وفتح الحوار الهادئ، وتشجيع الطفل بأسلوب إيجابي وبكلمات بسيطة تناسب وعيه. فالكلمة حين تقترن بالفعل تصبح أكثر تأثيراً، وتغرس القيم في النفس بلا مقاومة أو عناد.
والطفل يتعلم بعينيه قبل أذنيه، ويقتدي بما يراه أكثر مما يسمعه. فقد يرى أباه يدخن السجائر أمامه، أو يرفع صوته في البيت، أو يكذب في مكالماته الهاتفية، أو يسهر بإفراط ويُهمل مسؤولياته، فيتشرب هذه السلوكيات من دون نقاش أو تعليم مباشر. وهكذا يصبح المربي قدوة سلبية من حيث لا يشعر، ويزرع في نفوس أبنائه ما يحاول لاحقًا أن ينهى عنه.
وفي المقابل، حين يرى الطفل أباه صادقًا في حديثه، ملتزمًا بصلاته، أو حريصًا على القراءة والعلم، أو منظّمًا في حياته اليومية، فإنه يلتقط هذه القيم عمليًا، وتغدو جزءًا من شخصيته المستقبلية. وكذلك حين يرى أمه صابرة، رحيمة، مرتبة في شؤون بيتها، حريصة على احترام الآخرين، فإنه يترجم هذه المشاهد إلى سلوك طبيعي في حياته.
فالقدوة لا تقتصر على البيت فقط، بل تمتد إلى المدرسة والمجتمع والإعلام، فكلها ساحات يتأثر بها الصغار ويقتبسون منها السلوك.
وقد قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، وهي قاعدة ذهبية تؤكد أن التربية مسؤولية مستمرة تبدأ بالفعل قبل القول. وإذا أردنا جيلاً صالحًا وواعيًا، فعلينا أن نكون نحن أولاً النموذج الذي يُحتذى به
