في مثل هذا اليوم تحديدًا، قبل خمس سنوات مضت، ودّعت حياتي وغادرها أجمل وأحن قلب عرفته على الإطلاق، وهو قلب والدتي الطيبة الحنونة، كانت أمي الغالية بالنسبة لنا جميعاً رمزاً للعطاء اللامحدود، ومنارة للمحبة والدفء والسلام الذي يحيط بعائلتنا، رغم مرور الزمن، تمر السنين وكأنها لم تكسر أو تخفف من وطأة فراقها الأليم، بل على العكس، زادت مكانتها العظيمة في عمق قلبي وذاكرتي التي تحتفظ بكل تفاصيلها وابتسامتها المضيئة، أسأل الله أن يتغمد روحها الطاهرة بواسع رحمته ويسكنها فسيح جناته.
كانت والدتي الحبيبة نموذجاً فريداً ومثالاً يحتذى به في الطيبة النقية والتسامح العظيم، كانت تستقبل الجميع بابتسامة دائمة ومشرقة تضيء وجهها، وتملك قلباً أبيض نقياً لا يعرف إلا الخير والمودة لكل من حولها دون استثناء، لم تكن تملك من حطام الدنيا الكثير، سوى حبها اللامحدود وعطفها المستمر الذي كانت تقدمه بسخاء كبير وعزيمة لا تضاهى، ولم يقتصر هذا العطاء على أفراد عائلتنا فحسب، بل امتد ليشمل المجتمع الذي كانت جزءاً فعالاً ومحبوباً منه، لقد تركت بصمة لا تمحى من النور والإحسان في كل مكان حلت به.
أتذكر بوضوح تام كيف كانت والدتي شامخة وصبورة في مواجهة تحديات الحياة الشاقة والمعقدة، لم تكن تسمح أبداً للأحزان والهموم أن تخيم أو تسيطر على أجواء منزلنا الهادئ. كانت أمي ملجأً دافئاً وملاذاً آمناً لكل من يلجأ إليها، ملهمة الجميع بالصبر والقوة الثابتة، حتى رغم ما قد تواجهه هي شخصياً من ألم أو تعب، لقد كان حنانها الفياض يملأ كل زاوية في حياتنا، ويغمرها بالسكينة، جاعلاً إياها أكثر دفئاً وأماناً في ظل وجودها المبارك. وأتذكر جيداً عندما حل بي الكرب -أسأل الله أن يخرجني منه عاجلاً- كانت تقول وتكرر على مسامعي كل شيء ينتهي وله أجل يا مناور، لا تزعل حالك مدام العبد يدعو ربه، راح يستجاب له، يا رب تعلم بحالي أثنى عشر عام فنجني مما ابتليتني به.
هذه الذكرى الخامسة الأليمة لرحيلها المبكر تدفعني بقوة لأن أتأمل بعمق في جميع دروس الحياة الثمينة التي تعلمتها منها، لقد كانت والدتي بحق نموذجاً حياً وملهماً للتسامح الصادق، والابتسامة المتفائلة، والعطاء بلا حدود، لقد زرعت فينا إرثاً ضخماً من القيم الجميلة والمبادئ الأصيلة التي ما زالت ترشد خطواتنا في مسيرتنا اليومية.ومن هذا المنطلق أشعر بعمق في كل لحظة تمر أن روحها اللطيفة الطاهرة ما زالت حاضرة بيننا، تسير معنا في كل درب كنسمة باردة تهب في أوقات الحزن والفرح معاً، في هذه اللحظة المؤلمة، التي تتجدد فيها لوعة الفراق، لا أستطيع إلا أن أقول جزاكِ الله خير يا أماه على كل ما فعلتِ وبذلتِ من أجلي ومن أجل من حولك، يا ليتني أملك القدرة لأعيد عقارب الساعة للوراء، لو كنتِ بيننا هنا اليوم، لأخبرتك بحرقة كم أفتقدك وكم أنا أحبك، وأن فراغك لا يملأه أحد أبداً.
رحيل أمي المفاجئ والموجع لم يكن مطلقاً فراقاً نهائياً أو نهاية المطاف، بل كان أيضاً بداية لتذكار مؤبد يعطر حياتنا بالعطف والحنان الخالدين الذي علمتنا إياه، في كل زاوية من المنزل ألمح طيفها وأشعر بالوحدة القاسية،وفي هذه الذكرى التي تدمي القلب وتجدد الجرح، أجد نفسي أكثر إصراراً على أن أعيش بقيمها النبيلة، وأن أكون شخصاً يذكرها بالخير والدعاء الصادق دائماً حتى نلتقي مجدداً في جنان الخلد. رحمك الله، وأسكنك فسيح جناته يا أعظم أم، يا أم مناور.
د. مناور بيان الراجحي ” استاذ الصحافة والاعلام في جامعة الكويت ”
