• الكاتب :علي قاسم هيال
تتجدّد في بعض البيئات العربية حوادث مؤلمة تُعيد إلى الأذهان صراعًا قديمًا بين العِلْم والخرافة، وبين صوت العقل وضجيج الجهل. وفي إحدى القرى الريفية البسيطة، وقعت فتاةٌ في مقتبل عمرها ضحيةً لهذا الصراع، بعد أن تحوّلت حياتها الزوجية، التي لم يمضِ عليها سوى أسابيع، إلى تجربة قاسية تُهدّد كرامتها ونفسيتها ومستقبلها كله.
فقد بدأت الحكاية حين راجعت الزوجة—بحضور زوجها—طبيبةً مختصّة، فبشّرتهما الطبيبة بأن الزوجة حامل، وأن الجنين يعود إلى ما قبل الزواج بقليل، وهو أمرٌ معروف طبيًّا في حالات عدّة لها تفسير علمي واضح. لكن الزوج، بدلاً من أن يبحث عن رأي طبي آخر أو يستوضح الأمر، انقلبت فرحته شكًّا، وبدأت الاتهامات تنهال على الفتاة دون دليلٍ أو مسوّغ.
تفاقمت الأزمة حين انتقلت الاتهامات من بيت الزوج إلى بيت أهل الفتاة، الذين—بدلاً من اللجوء إلى المختصّين أو إلى القانون—اختاروا طريقًا آخر أكثر قسوة، وهو ما يُعرف في بعض المناطق باسم “البَشْعة”؛ وهي ممارسة بدائية توهِم بأنها تكشف الصادق من الكاذب عبر تسخين قطعة معدنية حتى تُصبح لاهبة، ثم توضع على لسان المتَّهَم لمعرفة “صدقه” من “كذبه”.
هكذا، وُضعت الفتاة أمام جمعٍ من أهلها وأهل زوجها، وتعرّضت في لحظة واحدة لإهانةٍ تمسّ كرامتها وإنسانيتها، ولألمٍ جسدي ونفسي يصعب أن يُمحى من الذاكرة.
ورغم فداحة ما جرى، جاءت النتيجة كما يعرفها كل من يفهم الحدّ الأدنى من العلم: الفتاة بريئة، ولم تظهر على لسانها علامات الاحتراق التي تنتج عادةً عن الخوف الشديد لا عن الكذب كما يظنّ أصحاب تلك العادة. خرجت الفتاة “بريئة” وفق معيارٍ جاهلي، ولكنها خرجت أيضًا مُنهكة، مثقلة بجرحٍ داخليّ لن يندمل بسهولة، وذكرياتٍ مؤلمة سترافقها طيلة حياتها.
المؤسف في الأمر أنّ هذه الحادثة لم تقع في زمنٍ غابر، ولا في مجتمعٍ معزول عن العالم، بل في عامٍ يزخر بالمعرفة، وتوفِّر فيه المستشفيات والعيادات والتقنيات الحديثة إجاباتٍ واضحة وحاسمة في دقائق معدودة. فكيف يُترَك العلم جانبًا لصالح ممارسة تفتقر إلى المنطق، وتُنتهَك بسببها كرامة إنسان؟ وكيف تُهان فتاةٌ لا لشيء إلا لأنها ولدت في بيئة تخشى كلام الناس أكثر ممّا تخشى الله عزّ وجل؟
لقد أثبتت هذه الحادثة أنّ الجهل ليس مجرّد نقص معرفة، بل قد يكون ظلمًا صريحًا، وإساءةً نفسية، واعتداءً على الحقوق الإنسانية التي حفظها الشرع والقانون. ومن الواجب أن يتحمّل من تسبّب في هذه الأذية مسؤولية ما اقترفته يداه، وألا تبقى كرامة الإنسان رهينة عاداتٍ لا تمتّ إلى الدين ولا إلى العلم بصلة.
إنّ ما جرى ليس مجرد واقعة عابرة، بل جرس إنذار يُذكّرنا بأن واجب المؤسسات الدينية والعلمية والإعلامية هو محاربة هذه الممارسات، وتوعية الناس بحقوقهم، وتسليط الضوء على خطورة اللجوء إلى الخرافات بدلاً من أهل الاختصاص.
ولعلّ أكثر ما يوجع في المشهد، نظرات الفتاة—التي ظهرت في الفيديو تتألّم وتستغيث—وكأنها تسأل أمها وأهلها: أين الرحمة؟ أين الإنصاف؟ أين الدفاع عن ابنتكم؟
ولكن الجواب ضاع بين ضجيج العادات، وتزييف مفهوم “السمعة”، وتقديم شكليات المجتمع على سلامة الإنسان نفسه.
إنّ هذه الفتاة بريئة، نعم، ولكن من الذي سيجبر كسر قلبها؟ ومن سيعيد لها ثقتها في نفسها وفيمن حولها؟ ومن سيحاسب على الألم النفسي الذي لا يقلّ قسوةً عن الألم الجسدي؟
ختامًا، يبقى السؤال الأهم:
إلى متى نبقى أسرى لممارسات تُهين الإنسان وتُهين العقل معًا، في زمنٍ جعل الله فيه العلم نورًا يبدّد ظلام الجهل؟
علي قاسم هيال
aliqasim97198@gmail.com
