لم يعد الكافيين حبيس فنجان القهوة الصباحي، بل أصبح يتسلل خفية إلى حياة أطفالنا عبر المشروبات الغازية، الشوكولاتة، مشروبات الطاقة، وحتى بعض الأدوية. ولأن الكميات تبدو صغيرة في ظاهرها، يغفل كثير من الأهل عن خطورتها، بينما تكشف الدراسات الحديثة عن آثار صامتة لكنها مدمرة على نمو الأطفال وصحتهم الجسدية والنفسية.
الكافيين وأثره على الصغار
الكافيين يعمل كمحفّز للجهاز العصبي، ما يؤدي إلى فرط النشاط وصعوبة النوم، ويرتبط كذلك بارتفاع ضغط الدم المؤقت، وزيادة معدل ضربات القلب، واضطرابات المعدة. لكن الأخطر من ذلك أن اعتياد الطفل على هذه المادة في سن مبكرة قد يفتح الباب لعادات غذائية غير صحية، ويجعله أكثر عرضة للقلق والتوتر وضعف التركيز والتحصيل الدراسي، بل وقد يقوده إلى سلوكيات إدمانية مبكرة تحرمه من الاستقرار النفسي والهدوء.
وقد أشارت بحوث متعددة إلى أن الأطفال الذين يستهلكون مشروبات غنية بالكافيين بشكل متكرر يواجهون مشكلات في النوم والانتباه، إضافة إلى تراجع قدراتهم التعليمية والاجتماعية. وهذا ما يجعل القضية ليست مجرد “مشروب بريء”، بل خطر صحي يهدد مستقبل الأجيال.
برستيج القهوة عند الشباب
ولم تقتصر الظاهرة على الأطفال فقط، بل امتدت إلى الشباب الجامعي، حيث تحوّل كوب القهوة إلى “برستيج” أكثر من كونه حاجة. فكثير من الطلاب يشترون أكوابًا باهظة الثمن صباحًا، ثم يكررون الأمر في منتصف اليوم، ومع ذلك لا يشربون منها شيئًا! وعند الخروج من المحاضرات تُرمى الأكواب كما هي في القمامة. الهدف لم يعد القهوة، بل المظهر والتصوير، وهكذا تحولت عادة يومية إلى سلوك استهلاكي يدمّر وعي الشباب ويغذي ثقافة المظاهر.
دور الأسرة والمجتمع
هنا يتجلى الدور المحوري للأسرة، عبر مراقبة استهلاك أطفالها للمشروبات المنبهة، وتقليل وجود الغازيات ومشروبات الطاقة في المنزل، وتشجيع البدائل الصحية مثل الحليب والعصائر الطبيعية والماء، مع توعية الطفل بمخاطر الكافيين بأسلوب يناسب عمره، ليكون شريكًا واعيًا في اتخاذ قراراته الغذائية.
ولا يقف الأمر عند الأسرة وحدها، بل يمتد إلى المدرسة والمجتمع، من خلال نشر الوعي وتقييد بيع هذه المشروبات للأطفال، خاصة في المقاصف المدرسية والأسواق المحيطة بها. فالكافيين ليس مجرد “منبّه”، بل مادة ذات آثار عميقة على صحة الصغار والشباب، والتصدي لها مسؤولية مشتركة بين البيت، المدرسة، والمجتمع.
جيل ينمو بسلام
إن حماية أطفالنا وشبابنا من هذه السموم الصامتة تعني صناعة جيل أكثر صحةً وهدوءًا وتوازنًا، جيل قادر على التعلم والإبداع بعيدًا عن الضغوط الخفية التي تفرضها “أكواب صغيرة” تحمل بين طياتها دمارًا كبيرًا.
د. عيسى فلاح العازمي
Dr_Essafala7 @
