من الطبيعي أن تقع المشاحنات والمشاكل بين العوائل والأصحاب ورواد الدواوين، فهذا أمر لا يخلو منه مجتمع ولا بيت. لكن غير الطبيعي أن يتحول الخلاف إلى هجران وقطيعة، فيترك الإنسان أهله أو أصدقاءه، ويغلق هاتفه في وجوههم، ويغيب عنهم سنة وسنتين وثلاثًا، وكأنما انتزع قلبه من محيطه.
ألم يعلم هؤلاء أن “الجنة من غير ناس ماتنداس”، وأن الإنسان بلا تفاعل وودّ يذبل كما تذبل الوردة حين تُحرم من الماء؟ الحياة لا تقوم على العزلة والاستكبار، بل على التسامح والتواصل، ومدّ الجسور بين القلوب.
هذه نصيحة لكل من تغلبه نفسه ويأخذه الكبر أو العزة بالإثم: إذا حصل خلاف مع أهلك أو جماعتك أو أصحابك، فاستعذ بالله من الشيطان، ولا تجعل الأبواب مغلقة. فالخلاف يُطوى بالصفح، والمودة تعود بالكلمة الطيبة، أما القطيعة فهي باب شرّ لا خير فيه.
وتذكّر أن إظهار العداوة مصيبة، فقد تحتاج يومًا لمن خاصمته، وقد تجده خيرًا مما كنت تظن. فالعاقل من يصلح لا من يقطع، ومن يبني لا من يهدم.
والتربية الإسلامية تضع هذا المعنى بوضوح؛ فالله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ ويقول النبي ﷺ: «لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام».
فالمؤمن الحق هو من يغلب جانب الإصلاح على جانب الخصومة، ويعلم أن الأجر في العفو والتسامح أعظم من راحة لحظة انتصار للنفس. وما أحوجنا اليوم أن نغرس في أبنائنا قيمة الصلة والعفو وحفظ الجسور، حتى يكبروا وهم يدركون أن الأسرة والأصدقاء والقرابة نعمة لا تُعوَّض.
