يشكّل أسلوب التواصل بين الوالدين وأطفالهم عنصراً محورياً في تشكيل شخصية الطفل وتنمية قدراته النفسية والاجتماعية، وفي ظل الضغوط اليومية المتزايدة، يقع كثير من الآباء دون قصد في فخ “النقد اللاذع” الذي يحوّل التوجيه إلى جرح نفسي عميق، ظنّاً منهم أن ذلك يقوم سلوكهم، إلا أن الدراسات التربوية الحديثة تشير بوضوح إلى أن هذا النوع من الخطاب يعد من أكثر الأساليب ضرراً على النمو النفسي للطفل، لما يحمله من رسائل سلبية قد تترسخ في الوعي وتستمر آثارها حتى المراحل العمرية المتقدمة، حيث يؤكد خبراء التربية أن العبارات القاسية والمقارنات الجارحة لا تصلح السلوك، بل تهدم ثقة الطفل بنفسه وتزيد خوفه وقلقه.
وتكرار النقد الحاد قد يؤدي إلى سلوك انسحابي أو عدواني، كما قد يؤدي إلى ضعف في التحصيل الدراسي، وشخصية مهزوزة لا تجرؤ على التجريب أو اتخاذ القرار. والبديل التربوي الصحيح يبدأ من التركيز على السلوك لا على الطفل، واعتماد لغة هادئة، ودعم المحاولات الصغيرة؛ فالأطفال لا يحتاجون إلى أصوات تعاتبهم بقسوة، بل إلى كلمات تهديهم برفق، وتشعرهم بالأمان، وتساعدهم على النمو بثقة. فالتربية ليست شدة في اللفظ، بل حكمة في التوجيه، وكل كلمة قاسية اليوم قد تتحول في الغد إلى ندبة في قلب طفل لا تُمحى.
إن النقد اللاذع ليس مجرد تعبير لحظي عن الغضب، بل ممارسة قد تحمل آثاراً تربوية ونفسية عميقة تمتد لسنوات طويلة. وتظهر أهمية الوعي التربوي هنا بوصفه أداة لحماية الطفل وبناء بيئة نفسية صحية تقوم على الثقة والمساندة؛ فالكلمة التي يقولها الوالد اليوم تُسهم في تشكيل مستقبل أبنائه، سلباً أو إيجاباً، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الأسرة في اختيار لغة ترتقي بنمو الطفل ولا تعيقه. فاختيار الكلمات في المواقف التربوية ليس أمراً ثانوياً؛ فالكلمة القاسية قد تترك أثراً طويل الأمد، بينما الكلمة الداعمة قد تكون أساساً لبناء شخصية متوازنة وواثقة.
د. عيسى فلاح العازمي
Dr_Essafala7 @
