لا تقتصر معاناة الطفل على ما يراه الكبار من جروح جسدية أو كدمات، فهناك جراح أعمق قد لا تُرى بالعين، لكنها تترك أثراً بالغاً في تكوين شخصيته ومستقبله. فالصدمات النفسية التي يتعرض لها الأطفال، سواء نتيجة فقدان أحد الوالدين، أو التعرض للعنف الأسري، أو مشاهدة مشاهد قاسية، أو حتى المرور بتجارب مخيفة كالخوف الشديد أو الحوادث؛ تؤثر في عقولهم وقلوبهم بطرق تفوق ما يتخيله الكبار.
فالطفل كائن حساس يلتقط المشاعر بسرعة، لذا فإن أي تجربة صادمة قد تولّد لديه خوفاً مستمراً، أو شعوراً بعدم الأمان. هذه الحالات قد تتحول لاحقاً إلى قلق مزمن، أو عزلة اجتماعية، أو حتى صعوبات في التعلم والتركيز. وقد أظهرت الدراسات النفسية أن الأطفال الذين مرّوا بصدمات غير معالجة يواجهون خطراً كبيراً في الإصابة بالاكتئاب واضطرابات السلوك مع تقدم العمر.
وقد يبدو الطفل بعد الصدمة أكثر عدوانية أو أكثر انسحاباً. ففي المدرسة قد يتراجع تحصيله الدراسي لأنه منشغل داخلياً بما مرّ به، وأحياناً يظهر ذلك على هيئة اضطرابات النوم أو فقدان الشهية، وأحياناً أخرى على شكل تلعثم أو صمت مفاجئ. كل هذه إشارات تنبّه المربين إلى أن الطفل يحتاج إلى دعم نفسي حقيقي.
والصدمة التي لم تُعالج قد تجعل الطفل يشك في الآخرين أو يخاف من الارتباط بهم، وهو ما يؤثر على قدرته على بناء علاقات أسرية متوازنة أو صداقات صحية عندما يكبر. وبالعكس، فإن التدخل المبكر والدعم العاطفي قد يحوّل التجربة الصعبة إلى درس يقوّي شخصية الطفل ويزيد من مرونته النفسية.
ولمساعدة الطفل على تخطي الصدمة لابد من الإنصات إليه، وإعطائه فرصة للتعبير عن مشاعره بحرية دون حكم، ومنحه الأمان عبر الطمأنة المستمرة أن ما حدث لن يتكرر وأنه محاط بمن يحميه. ولابد من العلاج النفسي المتخصص في حالات الصدمات العميقة، فالطفل في هذه الحالة يحتاج إلى جلسات علاج معرفي سلوكي أو دعم من مختص. كما أن لمشاركة الأسرة والمدرسة دوراً كبيراً في توفير جو من الحب والتقدير.
الصدمات ليست مجرد لحظات عابرة في حياة الطفل، بل أحداث قد تعيد تشكيل مستقبله الاجتماعي والنفسي، والتعامل الواعي من الأهل والمربين هو الفاصل بين أن تتحول الصدمة إلى جرح دائم، أو إلى تجربة تعزز قدرة الطفل على مواجهة الحياة بقوة.
د. عيسى فلاح العازمي
Dr_Essafala7 @
