الشرهة باب كبير، يدخل منه الصحيح أحيانًا، ويدخل معه الكثير من الخطأ. وهي تلك الحالة حين تتحلطم على شخص لأنه لم يفعل كذا، أو قصّر في كذا، وتشعر بالضيق وكأنك صاحب حق لازم.
والشرهة في أصلها لا تكون إلا على الغالي… على من قدّمت له ووقفت معه، ثم جاء وقت كنت تنتظر فيه شيئًا فلم تجده. وهنا، لو شرهت، لا تُلام كثيرًا.
لكن المشكلة ليست في شرهة عابرة… المشكلة في طبع الإنسان الذي يتشرّه كثيرًا.
الأولين قالوا: «من تشرّه تكره»، وهذا صحيح؛ لأن كثرة الشرهة تُتعب من حولك، وتُشعرهم أنهم دائمًا مقصّرون مهما فعلوا. ومع الوقت… يبتعد الناس عن صاحب هذا الطبع، لأنه يجعل الجلسة مراقبة، والحياة سباقًا، وكل موقف فرصة لالتقاط خطأ جديد.
الإنسان العاقل يعرف أن العلاقات ما تقوم على المحاسبة الدقيقة، بل على طيب المعشر، وعلى دمح الزلات، وعلى الذكاء الاجتماعي.
والأذكى بينهم هو من يتغافل؛ لأن التغافل ليس ضعفًا… بل خلق جميل يريحك ويريح من حولك.
أما كثرة التشرّه، فهي تجعل البيت أو الديوان أو أي بيئة اجتماعية وكأنها مضمار صيد… كل واحد يترقب زلة الآخر. وهذه بيئة مرهقة لا تستقيم معها العلاقات ولا تدوم فيها المحبة.
وقد جاء في الهدي النبوي ما يعلّم النفس سعة الصدر ولين الجانب؛ فالنبي ﷺ يقول:
«لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا».
والأخوّة لا تقوم مع كثرة العتاب والتشرّه، بل تقوم على الرحمة، وحفظ الود، وتجاوز الهفوات.
وقال السلف: «العاقل نصفه احتمال، ونصفه تغافل»، لأن من يتصيّد الزلات لا يهنأ بعيش، ولا يهنأ من حوله.
أما من يعفو ويصفح، فيرفع الله قدره، ويحبّه الناس، وتستقيم علاقاته.
ولهذا… من أراد بركة في عمره، وصفاء في بيته، وراحة في صدره، فليأخذ بوصية القرآن:
﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
فالعفو يكسر الشرهة، ويجبر الخواطر، ويجعل الحياة تمضي بسلام.
د. عيسى فلاح العازمي
Dr_Essafala7 @
