في ظل الطفرة التقنية المتسارعة، أصبح الذكاء الاصطناعي لاعباً محورياً في صياغة المحتوى البصري واللغوي، ليمتد دوره من مجرد أداة مساعدة في الإنتاج الإعلامي إلى عنصر مؤثر في الوعي العام، يعيد تشكيل إدراك المتلقي للواقع. فالتقنيات الحديثة، مثل التزييف العميق (Deepfake) وخوارزميات توليد النصوص والصور، تنتج محتوى يصعب التمييز بينه وبين الحقيقة في كثير من الأحيان.
ويمثل هذا التحول تحدياً كبيراً، إذ يفتح الباب أمام إنشاء خطابات ورسائل مزيفة قد تؤثر في الرأي العام أو تشوّه الحقائق عبر صور وأصوات تبدو واقعية بالكامل رغم عدم وجودها فعلياً. ومع اتساع نطاق استخدام هذه التقنيات، تتعرض الثقة بالمحتوى الإعلامي لخطر التآكل، وتزداد صعوبة عملية التحقق من المصادر.
وتشير تحليلات خبراء الإعلام إلى أن مسؤولية مواجهة هذا الواقع الجديد لا تقع على عاتق التقنية وحدها، بل تمتد إلى الوعي المجتمعي والتشريعات والممارسات المهنية. فثمة حاجة ملحّة لوضع قوانين واضحة تُلزم بالإفصاح عن المحتوى المُوَلَّد آلياً، وتطوير أدوات أكثر تقدماً لرصد التزييف، إلى جانب تعزيز مهارات التفكير النقدي لدى الجمهور.
وفي المقابل، لا يحمل الذكاء الاصطناعي جانباً مظلماً فقط، إذ يمكن توظيفه لتسهيل الوصول إلى المعلومة، ودعم الإبداع والابتكار، بشرط أن يكون ذلك ضمن إطار أخلاقي واضح يضمن الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات. ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن للمؤسسات الإعلامية والمجتمعات أن توازن بين الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي وتحييد قدرته على صناعة الوهم والتضليل؟
في النهاية، يبقى الذكاء الاصطناعي مرآة لا تعكس الواقع فحسب، بل تكشف أيضاً نيات مستخدميه، وقدرتنا كبشر على توجيهه نحو الحقيقة… أو الوهم.
د. عيسى فلاح العازمي
Dr_Essafala7 @
