قبل أيام، فوجئ الشارع الرياضي بإعلان اتحاد الكرة استضافة كأس السوبر الفرنسية في الكويت مطلع العام المقبل، في الثامن من يناير، وهي خطوة وصفت بالجريئة والطموحة، تعكس رغبة واضحة في وضع البلاد على خريطة الأحداث الرياضية العالمية، غير أن ما تلا هذا الإعلان من غموض وارتباك في التفاصيل كشف عن ثغرات مؤسفة في الإعداد والتخطيط، قد تجعل من هذه المبادرة فرصة ضائعة من الممكن أن تكون حدثاً تاريخياً للرياضة الكويتية.
من حيث المبدأ، لا يختلف أحد على أن استضافة البطولات الدولية تمثل مكسباً كبيراً لأي دولة تسعى لتعزيز حضورها في المشهد الرياضي، لما تحققه من فوائد اقتصادية وسياحية وإعلامية، فضلاً عن دورها في ترسيخ الصورة الإيجابية للدولة المستضيفة، والكويت تمتلك بنية تحتية متميزة وكفاءات بشرية قادرة على التنظيم الاحترافي، لكن غياب الرؤية المتكاملة والتخطيط الدقيق من جانب الاتحاد قد يجعل التجربة تفتقد إلى الزخم المنتظر، فالنية الطيبة وحدها لا تصنع النجاح، إنما يحتاج الأمر إلى استراتيجية مدروسة من البداية إلى النهاية.
لقد كان من الضروري أن يسبق إعلان استضافة «السوبر الفرنسية» توضيح شامل لتفاصيل الحدث وجدواه الاقتصادية والفنية والإعلامية، مع بيان ما سيعود على كرة القدم المحلية من مكاسب حقيقية، فالجمهور اليوم أكثر وعياً ويبحث عن الفائدة الوطنية من أي حدث، خاصة أن الدوري الفرنسي لا يحظى بمتابعة جماهيرية كبيرة في الكويت مقارنة ببطولات أوروبية أخرى.
كما أن الجانبين الإعلامي والتسويقي مثلا الحلقة الأضعف في المشروع، إذ غابت الحملة الترويجية المدروسة التي تخلق التفاعل الجماهيري وتربط الحدث بصورة الكويت السياحية والثقافية، خصوصاً مع توجه الدولة لجعل البلاد وجهة سياحية إقليمية، فقد كان بالإمكان استثمار هذا الحدث في تنشيط السياحة الداخلية وتحريك قطاع الفنادق والمطاعم، وبيع حقوق بث المباراة للدول الخليجية والعربية لتحقيق عوائد مالية معتبرة، لكن ضعف التواصل الإعلامي حال دون تحقيق هذه الأهداف، ليبدو الحدث وكأنه إعلان ناقص أكثر من كونه مشروعاً متكاملاً.
ما جرى يؤكد أن نجاح أي فعالية رياضية لا يتحقق بمجرد الإعلان أو استقدام فرق عالمية، بل بقدرة المنظومة على تحويل الحدث إلى قيمة مضافة حقيقية للبلد، فالرياضة اليوم صناعة متكاملة تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة، وتتطلب إدارة احترافية تضع كل التفاصيل ضمن رؤية وطنية واحدة واضحة الأهداف.
إن الكويت تملك المقومات الكاملة للنجاح، لكنها تحتاج إلى تنسيق مؤسسي فعال بين الجهات الرياضية والإعلامية والسياحية والاقتصادية، لضمان أن تكون أي استضافة مستقبلية مبنية على تخطيط مسبق وتعاون بين الجهات ذات العلاقة، لا على قرارات فردية أو اندفاع عاطفي، فالتجارب السابقة أثبتت أن الشباب الكويتي قادر على التنظيم الاحترافي متى ما توافرت له الرؤية الواضحة والدعم اللازم.
إن عدم الإعلان عن التفاصيل الكاملة لمباراة السوبر الفرنسية، والترويج الرياضي والسياحي لها، يجعلنا ندق جرس إنذار مبكراً يدفع نحو مراجعة شاملة لآليات العمل، لضمان الخروج بهذا الحدث العالمي بالمظهر الذي يليق بالكويت، كما يجب أن تدار كل فعالية دولية بعقلية الاستثمار الطويل الأمد، لا بعقلية الحدث المؤقت، مع ضرورة قياس النجاح بمدى تأثيره في تطوير البنية الرياضية وتعزيز مكانة الكويت إقليمياً وعالمياً.
وفي الختام، يحسب لاتحاد الكرة جرأته وطموحه في السعي لاستضافة حدث عالمي بحجم «السوبر الفرنسية»، لكن من الضروري في المستقبل الاستعانة بخبرات متخصصة في التسويق والإعلام وإدارة الفعاليات الكبرى، والتعاون مع المؤسسات الأكاديمية والأساتذة الأكاديميين أصحاب الاختصاص والشركات المتخصصة، كما أن التنسيق مع الجهات المعنية — من الإعلام والسياحة والصحة والاقتصاد — ليس خياراً تكميلياً، بل ركيزة أساسية لأي نجاح قادم.
إن هذا الحدث الكروي العالمي يجب استغلاله بصورة إيجابية ويكون نقطة انطلاق لتطوير المنظومة الرياضية بأكملها، حتى تكون كل استضافة قادمة قصة نجاح تليق باسم الكويت ومكانتها بين دول المنطقة والعالم.
د. عبدالله الغصاب يكتب | مباراة «السوبر الفرنسية» في الكويت.. وجرس إنذار مبكر قبل ضياع الفرصة
81
