مع بداية كل عام دراسي، يظل النقاش قائمًا في الأوساط التعليمية: ما هو الدور الحقيقي للمعلم؟ هل هو مجرد ناقل للمعلومة، أم أنه صانع للأجيال ومربي يشكل شخصيات الطلاب؟ الواقع يشير إلى أن دور المعلم يتجاوز حدود الفصل الدراسي والكتاب، فهو مؤثر مباشر في حياة الطالب ونظرته للعالم من حوله.
القدوة قبل المنهج
الطلاب لا يتعلمون من الكتب وحدها، بل من سلوكيات معلميهم اليومية. الالتزام بالمواعيد، العدالة في الحكم، التواضع في التعامل، كلها دروس عملية تحمل قيمة أكبر من أي قاعدة علمية. فالطالب يلتقط هذه الرسائل الصامتة، ويطبقها في حياته، أحيانًا أكثر من أي معلومة أكاديمية مكتوبة في الكتاب المدرسي.
وجوه متباينة في مدارسنا
التجارب الطلابية متنوعة:
هناك معلمون يتركون أثرًا إيجابيًا لا يُنسى، يساعدون الطلاب في لحظات ضعفهم ويشجعونهم عند فقدان الأمل، تاركين أثرًا يدوم طيلة حياتهم. وفي المقابل، هناك معلمون يقتصر دورهم على العقاب، سواء بالحرمان أو التوبيخ أو حتى الفصل، معتقدين أن هذا يكفي للحفاظ على الانضباط. هذه الأساليب، رغم أنها قد تحقق نتائج سريعة على المدى القصير، إلا أنها تخلق فجوة من الخوف والعداء بين الطالب ومعلمه، وتضعف الحافز للتعلم. أحد الطلاب قال: “لم أكره المدرسة، بل كرهت أسلوب معلمي”، جملة تعكس حجم الضرر النفسي الذي يمكن أن يسببه أسلوب العقاب.
التعليم شغف لا وظيفة
الفرق بين المعلم الشغوف والمعلم الروتيني واضح. المعلم الذي يعمل بحب وشغف ينجح في إشعال الفضول لدى طلابه وتحفيزهم على الاكتشاف والتعلم المستمر. أما المعلم الذي يرى التدريس مجرد وظيفة أو وسيلة للعقاب، فإنه يقتل حماس الطلاب ويؤثر على نظرتهم للتعلم مدى الحياة. الفارق هنا ليس فقط بين أسلوبين في التعليم، بل بين جيل متحمس للتعلم وآخر يفتقد الثقة والأمل.
المعلم رسالة ومسؤولية
المعلم قدوة، والطلاب يراقبونه في كل لحظة، يلتقطون كلماته وحركاته، ويحاكونه في حياتهم اليومية. المسؤولية التي يتحملها المعلم لا تنتهي عند باب الصف، بل تمتد لتشكيل شخصية الطالب كاملة، وتعليم القيم والأخلاق جنبًا إلى جنب مع المعلومات العلمية. الرسالة الحقيقية للتعليم هي بناء جيل متوازن، قادر على التفكير النقدي، والابتكار، والتعامل بإيجابية مع الحياة، وهذا لا يتحقق بالعقاب وحده، بل بالقدوة والتشجيع المستمر.
كلمة أخيرة
مع بداية كل عام دراسي، يحتاج كل معلم إلى تذكير بأن دوره أكبر بكثير من شرح درس أو تصحيح ورقة. دور المعلم هو رسالة حياة، هو بناء إنسان كامل، هو القدوة قبل المعلومة، وهو التشجيع قبل العقاب. الجيل القادم بحاجة إلى معلمين يلهمونهم، لا يخيفونهم؛ يلهمون الفضول لديهم، لا يقيدونه.
