أول ما دخلت الممر الطويل لصالات المغادرة، وإذ بصوت: “إنه النداء الأخير، على المسافر مناور الراجحي التوجه لصالة المغادرة”، نعم وصلت على غير عادتي متأخرا بسبب مشكلة في طابور الجوازات، استجبت على الفور مسرعا نحو صالة المغادرة، وصلت بعد جهد حيث أنني أحسست بأنني أخذت وقتا كبيرا للوصول.
دخلت صالة المغادرة ألقيت السلام بصوت مرتفع محاولا أن يكون بنبرة سلامي إيماء للاعتذار، أتى رد السلام بصوت منخفض، ربما كان ذلك تعبيراً عن عدم الرضا عن الموقف- قلت في نفسي، بدأت أرى العيون مصوبة نحوي، كأنها سهام من العتاب والملامة، أحسست بأن هناك أمر يفوق ردة الفعل على التأخير، أنها خمس دقائق وهي لا تستحق كل هاذ النوع من الملامة- قلت في نفسي، وضعت يدي على وجهي وتلمست النظارة الشمسية التي وضعتها لتحمي عيني بعد العملية من الأتربة والهواء وكل ما هو متعلق بالجو، قلت في نفسي- لعلالنظارة تزيد من حالة التوتر، أقلعها يا مناور فربما يتيح ذلك الفرصة لتوفير قدر من الألفة مع ركاب الطائرة التي سوف تقلع بنا من أم الدنيا إلى ديار النشامى.
مرت فترة من الوقت وما زالت تلك السهام تتربص بي، بل كنت أحسها تتزايد من لحظة لأخرى، أيمكن كل هذا- قلت في نفسي، وأنا أصلا من عادتي السكوت بخجل في مثل تلك المواقف، ارتأت أن ألوذ بهاتفي من تلك النظرات، أخذت أقلب مقاطع الفيديو وبين فترة وأخرى أحاول أن استكشف الموقف، لم يتغير شيء ما زال العيون ترمقني بحدة، وحين ألتقي بنظراتهم لا أرى منهم أي تراجع أو تغيير في الاتجاه، إنني الهدف، بل الهدف الوحيد فالكل يصوب باتجاهي.
في هذا الجو من التوتر والمراقبة كنت أحاول أن أفهم ما الذي يدور هنا، لم أستطع إقناع نفسي بأن خمس دقائق كافية لكل هذا الأمر والمشهد الذي لم اعتاد عليه، قلت في نفسي- لا يمكن أن يكون ذلك صحيحا، لا بد من أمر آخر، لكنني مازلت عاجزا عن الفهم، بدأ الجميع بالتأهب للتوجه نحو الطائرة، توجه شخص إلى تلك السيدة التي تجلس في الصف الأول من مقاعد الصالة، أمسك بيدها، وما كان من الآخرين إلا أن بدأ كل منهم بوضع يده على كتف الشخص الذي أمامه ويشكلون صفا واحد تلو الآخر، إنهم أعضاء (جمعية المكفوفين المصرية) حفظهم الله وبارك فيهم.
كيف جالت بخاطري كل تلك الأفكار؟ لقد تسرعت بالحكم على هؤلاء، لكنني تعلمت درسا جديدا في الحياة، وهو أن لا أربط بين تصرفات الناس وسلوكهم في تواجدي بأمور تخصني، وليس علي بأن أتصور بأن ما يقوم به الناس أمامي هي أمور تخصني، فما دمت بعيدا عن خطاب الناس أو الكلام المباشر فإن الأمر لا يعنيني، وليس علي الاهتمام به.
وأنت أيضاً عزيزي القارئ لا تستعجل في حكمك على الآخرين، كما كان حالي في صالة المغادرة، فالناس مشغولة في أحوالهم ولا يهمهم أمري وأمرك لا من بعيد ولا من قريب، فكن صاحب سماحة وابتسامه لترجع لك تلك السماحة والابتسامة من الغير. لقد أعتدنا بأن نكون محور أو نقطة لقاء أو نظرة لكن ليس في كل المواقف، فهناك مواقف لابد أن نقيم أنفسنا فيها قبل أن نقيم الآخرين. ودمتم يقول عكاش العتيبي:
الناس ما خلقت حواليك ترضيك…مثلك مقادير الولي تعترضها
أخير لك لا تندفع في هقاويك…تلمس الأعذار وإلا افترضها
