فاجأنا معالي وزير التربية م. سيد جلال الطبطبائي بإعلان خطة استراتيجية للتقويم الدراسي تمتد لخمسة أعوام مقبلة، في خطوة غير مسبوقة تعكس رؤية طموحة ومختلفة للتعليم في الكويت، أن الإعلان لم يكن مجرد تعديل روتيني، بل حدث أثار نقاشاً واسعاً في الدواوين والمجالس وبين الأسر، خاصة مع القرار الجريء بتعطيل الدراسة في العشر الأواخر من رمضان، لما يحمله من رمزية دينية واجتماعية عميقة.
لقد اعتاد الشارع الكويتي أن تأتي القرارات التعليمية قصيرة الأمد، محدودة بعام دراسي واحد تبعاً لتغير الوزراء أو تبدل الظروف، لكن هذه المرة فاجأنا الوزير بصورة مختلفة، إذ نحن أمام نقلة نوعية من التفكير السريع إلى التخطيط الاستراتيجي، ومن التجريب المؤقت إلى مشروع وطني طويل المدى، حيث إن الإصلاح الحقيقي لا يولد من القرارات المتعجلة، بل من الاستمرارية والإصرار، وهذا ما تجسده الخطة الجديدة لوزارة التربية.
وما شد الانتباه أكثر هو إدراج عطلة في العشر الأواخر من رمضان، والتي قد يراها البعض خطوة غير متوقعة، لكنها في الحقيقة تمس وجدان المجتمع، فهذه الأيام تحمل قدسية خاصة وتحتضن ليلة القدر التي وصفها الله بأنها خير من ألف شهر، لذا فإنا منح الدولة أبناءها فرصة للتفرغ للعبادة والاعتكاف في هذه الليالي،
فهذا يعني أنها تضع الإنسان وقيمه الدينية في قلب القرار، كما تمنح هذه العطلة الأسر مساحة للالتقاء والتواصل وإحياء الأجواء الرمضانية الدافئة التي كثيراً ما تفتقدها حياتنا المزدحمة بالانشغالات اليومية التي طغت على أوقاتنا.
إن قرار تعطيل الدراسة في العشر الأواخر من رمضان يحمل في طياته أيضاً أبعاداً نفسية وصحية واضحة، ففي نهاية رمضان يزداد الإرهاق والتعب بسبب الصيام والسهر، وهنا تأتي العطلة كاستراحة مستحقة تمنح الطلبة والمعلمين والموظفين طاقة جديدة قبل العودة بعد العيد، إنها ليست ترفاً، بل استثمار في الإنسان ينعكس على التركيز والإنتاجية لاحقاً.
ومن الناحية العملية، فإن القرار أكثر حكمة مما يظن البعض، فطالما شهدنا غياباً غير رسمي في هذه الفترة، والآن تحولت الفوضى إلى نظام، وهذا ما يعتبر اعتراف بواقع يعيشه الناس ومعالجة ذكية تحول العادة إلى انضباط، وتعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، صحيح أن أي تغيير كبير قد يرافقه بعض التحديات مثل ضغط المناهج أو الامتحانات، لكن هذه أمور قابلة للحل بالتخطيط السليم والتنسيق المرن، ما دام باب الحوار مفتوحاً أمام المعلمين وأولياء الأمور.
ومن خلال متابعتي للآراء المعارضة، بدا أن هناك لبساً أو قصوراً في الفهم لدى البعض، ربما بسبب ضعف إيصال الرسالة من الجهات المعنية أو قراءة مجتزأة للتقويم الممتد لخمس سنوات.
في الحقيقة، ما أثار الجدل هو تطبيق العطلة في السنة الأولى فقط، بينما الخطة الكاملة تحمل رؤية أوسع وأكثر توازناً، ومن الطبيعي أن يواجه أي تغيير مقاومة، وهذا أمر مألوف، لكن ما يحسب للوزير هو قدرته على اتخاذ القرار بشجاعة، دون أن يعني ذلك إهمال الأصوات الناقدة،
بل إن قيمة القرار الحقيقية تتجلى حين نؤكد أن لهذه العطلة فوائد متعددة على مستويات مختلفة أهمها تعزيز القيم الدينية والروحية، والاجتماعية التي تعيد دفء الروابط الأسرية، نفسية وصحية في التخفف من الإرهاق والضغط، والاقتصادية والإدارية بمعالجة الغياب المزمن وتمنح العمل طاقة جديدة.
ويبقى التحدي الحقيقي اليوم أمام وزارة التربية في متابعة تطبيق القرار بدقة، والتأكد من الاستفادة منه بالشكل الذي وضع من أجله، بحيث لا يكون مجرد عطلة إضافية، بل فرصة حقيقية لتعزيز جميع النقاط التي ذكرناها سابقاً ، ولأجل ذلك، لا بد من الاستماع إلى آراء أهل الميدان وتحويل الملاحظات والشكاوى إلى فرص لتطوير التجربة وضمان نجاحها.
في النهاية، إن ما يميز القرار أنه جمع بين روح الإنسان وعقل الدولة، بين قيم الدين وضرورات التعليم، بين الأبعاد الاجتماعية والاعتبارات العملية، ولم يكن القرار مجرد تعديل في التقويم، بل إشارة واضحة إلى أن الكويت ماضية نحو تعليم يضع الإنسان في قلب المعادلة، ويحترم تراثه وقيمه، ويمنحه طريقاً أكثر إشراقاً نحو المستقبل.
