في الوقت الذي ينصرف فيه العالم إلى بناء منظومات رياضية شاملة تزاوج بين التطور الإداري والتقني والاقتصادي، اعتماداً وتكاملا مع العلم وتطبيقا للعلوم البينية، لا تزال بعض مؤسساتنا الرياضية، الحكومية والأهلية، غارقة في أنماط بيروقراطية تقليدية تُدار بعيدا عن تطبيقات العلوم الحديثة بالمزاج والاجتهادات الفردية، وكأن الرياضة مجرد نشاط هامشي لا يستحق رؤية أو تخطيطاً بعيد المدى.
المفارقة أن الدول المتقدمة أدركت مبكراً أن الرياضة صناعة متعددة الأبعاد، تحفز الاقتصاد، وتعزز الصورة الدولية، وترسخ المكانة السياسية، وتنسج روابط اجتماعية وثقافية عميقة، فحصدت مكاسب واسعة عبر ادارة استراتيجية مبنية على العلم والحوكمة والابتكار.
ما نعانيه اليوم ليس فقراً في الموارد أو المواهب، بل غياباً في الإيمان الحقيقي بالادارة الاستراتيجية، وعدم إدراك ماهيتها، فالادارة الاستراتيجية في صناعة الرياضة علم يقوم على منظومة متكاملة تشمل إدارة المعرفة والبيانات، وإعادة هيكلة المؤسسات وفق النتائج لا الأشخاص، وتبني التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية والمساءلة، هذه الركائز تشكل العمود الفقري للإدارة الرياضية الحديثة، وتعتمدها دول ومؤسسات عالمية كبرى مثل FIFA واللجنة الأولمبية الدولية، لأنها تدرك أن أي نهضة رياضية لا يمكن أن تقوم على الارتجال أو الحلول المؤقتة.
لقد أثبتت تجارب دولية قريبة أن الإدارة المؤسسية عندما تقترن بالعلم تصنع الفارق، ومن أبرز تلك الأمثلة الشقيقة قطر التي قدمت نموذجاً لافتاً يحتذى خلال استضافة كأس العالم 2022، عبر دمج البيانات التشغيلية والأمنية والبيئية في منصة رقمية موحدة، ما رفع كفاءة التشغيل بصورة ملموسة، وأكد أن التكنولوجيا اليوم ليست خياراً تجميلياً، بل أداة جوهرية لنجاح المنظومات الرياضية.
وفي إنكلترا، طور الدوري الممتاز نظاماً ذكياً لتحليل بيانات الجماهير ورفع عائدات التسويق الرقمي بنسبة كبيرة، ما أثبت أن التقنية قادرة على تحويل المشجع إلى عنصر استثماري مستدام.
وفي مصر، انطلقت مبادرة المنشأة الرياضية الذكية عام 2023 لإدارة الأندية ومراكز الشباب مالياً وإدارياً عبر منصة موحدة، خطوة جريئة لا بد أن تتعزز بالتعميم والتدريب والاستدامة حتى تحقق أهدافها.
إن مشكلة بعض مؤسساتنا ليست في اللاعبين أو الجماهير، بل في غياب مشروع رياضي وطني واضح، وفي مسؤولين ما زالوا يتعاملون مع الإدارة الرياضية بمنطق الماضي: حيث القرارات الفردية، والحلول الترقيعية، وتجاهل للبيانات، وغياب لمؤشرات الأداء والمساءلة، ما يقود إلى ضياع المواهب وهدر الموارد وتراجع القدرة على المنافسة.
ونحن نعيد التأكيد مرة أخرى، أن الرياضة اليوم قوة ناعمة وصناعة اقتصادية واجتماعية، ولا يمكن لبلادنا أن تتقدم ما لم تُبنَ مؤسساتها على نموذج إداري حديث يعتمد الرقمنة، ويخطط لسياسات طويلة المدى، ويُمكن الكوادر المؤهلة التي تحترم العلم، لا الارتجال.
وختاماً، لقد انطلق العالم نحو آفاق جديدة عبر بناء منظومات رياضية واقتصادية متكاملة، تحولت فيها الرياضة إلى صناعة مركبة ومحرك ضخم يرفع الناتج الوطني ويسهم في ترسيخ مكانة الدول وتنمية مجتمعاتها.
التاريخ لا ينتظر المترددين، والدول التي تقدمت لم تفعل ذلك صدفة، بل لأنها وضعت الإنسان والتكنولوجيا في صميم استراتيجياتها، واستثمرت في المعرفة قبل المرافق وفي التخطيط قبل البطولات.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يواجهه كل مسؤول رياضي اليوم من دون مواربة: هل نريد حقاً أن تلتحق رياضتنا بركب العالم.. أم نكتفي بدور المتفرج؟
