مع اقتراب انتهاء الجولة الأخيرة من التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس العالم، وإجراء قرعة كأس العالم في ديسمبر المقبل، تفاعل عدد من المهتمين والمختصين بالشأن الرياضي حول مستوى البطولة واعداد الفرق الصاعدة بعد التعديلات الأخيرة للاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» لزيادة عدد الفرق المشاركة، وخضم هذه التفاعلات برزت ملاحظات مهمة أثارها الإعلامي الرياضي الأستاذ مرزوق العجمي حول تراجع المستوى الفني الذي ظهرت به بعض المنتخبات المشاركة في تصفيات كأس العالم، إلى جانب القلق المتزايد من أن زيادة عدد المنتخبات إلى 48 فريقاً قد تضعف القيمة الفنية للمسابقة الأشهر في العالم، التي لطالما كانت مقياساً للتنافس القوي والنوعي بين الأفضل عالمياً.
إن هذه الملاحظات التي تم طرحها لم تأتِ من فراغ، بل تعبر عن هاجس حقيقي يعيشه الشارع الرياضي الخليجي والآسيوي على حد سواء، فالمخاوف تتجه نحو أن بعض المنتخبات قد تجد طريقها إلى المونديال لا بفضل تطور مستدام في الأداء والبنية الرياضية، بل بسبب توسعة قاعدة المشاركة، وهنا تكمن الإشكالية الكبرى في أن تتحول المشاركة في البطولة إلى إنجاز يُكتفى به، بينما يفترض أن تكون مجرد بداية في مسار طويل نحو التتويج والتميّز.
إن واقع الكرة الخليجية يكشف بوضوح أن غياب الاستراتيجية الشاملة هو العائق الأبرز أمام أي تطور حقيقي، فلا يمكن لأي اتحاد رياضي أن يحقق نجاحاً مستداماً دون وجود رؤية واضحة تقوم على أربعة مرتكزات أساسية:
أولاً: الكوادر المؤهلة من لاعبين ومدربين وإداريين يمتلكون الكفاءة والخبرة.
ثانياً: القوانين والأنظمة العادلة التي تضمن الشفافية وتدعم المنافسة الشريفة.
ثالثاً: المنشآت الرياضية المتكاملة التي تتيح بيئة تدريبية حديثة ومستمرة من القاعدة حتى المنتخبات الأولى.
ما زالنا نؤكد أن الأهداف البعيدة المدى التي تبنى على استراتيجيات مدروسة، لا على نتائج مؤقتة أو بطولات، تقام لمرة واحدة، كما أن بلوغ المونديال يجب ألا يكون محطة الختام، بل نقطة الانطلاق نحو مرحلة أكثر نضجاً واحترافية، فالمشاركة بحد ذاتها لا تصنع المجد، والمنافسة على أعلى المستويات لا تتحقق إلا بالعمل المتواصل والتخطيط الدقيق، فكم من منتخب وصل إلى كأس العالم بجهد مؤقت ثم تراجع سريعاً، وكم من تجربة نجحت لأنها اعتمدت على منظومة متكاملة تسير بخطوات ثابتة نحو المستقبل.
إن الحلم الحقيقي لأي اتحاد خليجي يجب ألا يقتصر على الظهور في البطولات الكبرى، بل على بناء قاعدة صلبة تضمن الاستمرار في المنافسة وتطوير الأجيال القادمة، فالتواجد في كأس العالم لا ينبغي أن يكون غاية بحد ذاته، بل وسيلة لترسيخ هوية كروية حقيقية قادرة على مقارعة المنتخبات الكبرى بثقة واقتدار، كما أن التحدي اليوم لا يكمن في الوصول، بل في البقاء، فالمستقبل الرياضي لا يصنع بالحظ أو بالفرص العابرة، بل بالتخطيط، والعمل الجاد، والإيمان بأن المشاركة ليست النهاية، بل البداية نحو التتويج وصناعة المجد الرياضي الحقيقي.
وأخيراً: لا يفوتنا أن نعرب عن الشكر والتقدير لصاحب التغريدة الاستاذ مرزوق العجمي، والتي أثارت هذا النقاش البناء، ودفعتنا إلى إعادة النظر بعمق في واقع كرتنا الخليجية وطموحاتها المستقبلية، فالملاحظات الصادقة، حين تطرح بروح المسؤولية، تكون أحياناً شرارة الوعي التي تُشعل مسار الإصلاح والتطوير.
أ.د. عبدالله الغصاب : المشاركة ليست إنجازاً.. بل بداية الطريق نحو التتويج
44
